المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فى رحاب آية 52


فارس الليل
12-19-2006, 07:33 PM
52

{
وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً}


العقيدة الإسلامية عقيدة الوضوح والاستقامة والنصاعة، فلا يقوم شيء فيها على الظن أو الوهم أو الشبهة، ومن هنا كانت هذه الكلمات القليلة تقيم منهجا كاملا للقلب والعقل، يشمل المنهج العلمي الذي عرفته البشرية حديثا جدا، ويضيف إليه استقامة القلب ومراقبة الله، فالتثبت من كل خبر ومن كل ظاهرة ومن كل حركة قبل الحكم عليها هو دعوة القرآن الكريم، ومتى استقام القلب والعقل على هذا المنهج لم يبق مجال للوهم والخرافة في عالم العقيدة، ولم يبق مجال للظن والشبهة في عالم الحكم والقضاء والتعامل، ولم يبق مجال للأحكام السطحية والفروض الوهمية في عالم البحوث والتجارب والعلوم. {ولا تقف ما ليس لك به علم} أي: لا تتبع ما لم تعلمه علم اليقين، ما لم تتثبت من صحته: من قول يقال ورواية تروى. من ظاهرة تفسر أو واقعة تعلل. من حكم شرعي أو قضية اعتقادية

53
{
إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}


اختلف النصارى في المسيح - عليه السلام - وفي أمه مريم . فجاء القرآن الكريم
يقول كلمة الفصل بين هؤلاء جميعا . واختلفوا في مسألة صلبه مثل هذا الاختلاف
وقص القرآن الكريم الخبر اليقين . وكانت كلمته هي كلمة الفصل في ذلك الخلاف
ومن قبل حرف اليهود التوراة وعدلوا تشريعاتها الإلهية ؛ فجاء القرآن الكريم يثبت
الأصل الذي أنزله الله . وحدثهم حديث الصدق عن تاريخهم وأنبيائهم ، مجردا من
الأساطير الكثيرة التي اختلفت فيها رواياتهم ، مطهرا من الأقذار التي ألصقتها هذه
الروايات بالأنبياء ، والتي لم يكد نبي من أنبياء بني إسرائيل يخرج منها نظيفا !. وقد
جاء القرآن فطهر صفحات هؤلاء الرسل الكرام مما لوثتهم به الأساطير الإسرائيلية
التي أضافوها إلى التوراة المنزلة ، كما صحح تلك الأساطير عن عيسى ابن مريم
عليه السلام . { وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين } ، { هدى } يقيهم من الاختلاف
والضلال ، ويوحد المنهج ، ويعيِّن الطريق ، { ورحمة } يرحمهم من الشك والقلق
والحيرة ، ويصلهم بالله يطمئنون إلى جواره ويسكنون إلى كنفه ، وينتهون إلى
رضوان الله وثوابه الجزيل


54

إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا }
شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ
وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي
الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ
وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ
وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا
{ يَحْذَرُونَ

لا يعرف على وجه التحديد من هو الفرعون
الذي تجري حوادث القصة في عهده ، ويكفي
أن نعلم أن هذا كان بعد زمان يوسف - عليه السلام - الذي استقدم أباه وإخوته . فتكاثروا
في مصر وأصبحوا شعبا كبيرا . فلما كان
{ ذلك الفرعون الطاغية { علا في الأرض
وتكبر وتجبر ، وجعل أهل مصر شيعا ، كل
طائفة في شأن من شئونه . وأوقع أشد
الاضطهاد والبغي على بني إسرائيل ، لأن
لهم عقيدة غير عقيدته هو وقومه . وكذلك
أحس الطاغية أن هناك خطرا على عرشه
وملكه من وجود هذه الطائفة في مصر ؛ ولم
يكن يستطيع أن يطردهم منها وهم جماعة
كبيرة أصبحت تعد مئات الألوف ، فقد يصبحون إلبا عليه مع جيرانه الذين كانت
تقوم بينهم وبين الفراعنة الحروب ، فابتكر
عندئذ طريقة جهنمية خبيثة للقضاء علي
الخطر الذي يتوقعه من هذه الطائفة ، تلك
هي تسخيرهم في الشاق الخطر من الأعمال ، واستذلالهم وتعذيبهم بشتى أنواع العذاب
وبعد ذلك كله تذبيح الذكور من أطفالهم
عند ولادتهم ، واستبقاء الإناث كي لا يتكاثر
عدد الرجال فيهم . وبذلك يضعف قوتهم
بنقص عدد الذكور وزيادة عدد الإناث ، فوق
ما يصبه عليهم من نكال وعذاب . ولكن
الله يريد غير ما يريد فرعون ؛ ويقدر غير ما
يقدر الطاغية . والله يعلن هنا إرادته هو ، ويكشف عن تقديره هو ؛ ويتحدى فرعون وهامان وجنودهما ، بأن احتياطهم وحذرهم
لن يجديهم فتيلا . فهؤلاء المستضعفون الذين يصرف الطاغية شأنهم كما يريد له هواه
البشع النكير ، هؤلاء المستضعفون يريد الله
أن يمن عليهم بهباته من غير تحديد ؛ وأن
يجعلهم أئمة وقادة لا عبيدا ولا تابعين ؛ وأن يورثهم الأرض المباركة . وأن يمكن لهم
فيها فيجعلهم أقوياء راسخي الأقدام مطمئنين . وأن يحقق ما يحذره فرعون وهامان وجنودهما ، وما يتخذون الحيطة دونه ، وهم لا يشعرون

55
فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ }
مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ . فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَا مُوسَى
أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا
{ تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ



إنه موقف عصيب في حياة النبي موسى عليه السلام يقصه الله علينا فبعدما مر
يوم على حادثة القتل وأصبح في المدينة خائفا من انكشاف أمره ، يترقب الافتضاح
والأذى . ولفظ { يترقب } يصورهيئة القلق الذي يتلفت ويتوجس، ويتوقع الشر
في كل لحظة .وبينما هو في هذا القلق والتوجس إذا هو يطلع : { فإذا الذي
استنصره بالأمس يستصرخه } ! إنه صاحبه الإسرائيلي الذي طلب بالأمس نصرته
على القبطي . إنه هو مشتبكا مع قبطي آخر ؛ وهو يستصرخ موسى لينصره ، ولكن
صورة قتيل الأمس كانت ما تزال تخايل لموسى . وإلى جوارها ندمه واستغفاره
وعهده مع ربه . فإذا هو ينفعل على هذا الذي يستصرخه ، ويصفه بالغواية والضلال
قال له موسى : إنك لغوي مبين } . غوي بعراكه هذا الذي لا ينتهي واشتباكاته }
التى لا تثمر إلا أن تثير الثائرة على بني إسرائيل . ولكن الذي حدث أن موسى - بعد
ذلك - انفعلت نفسه بالغيظ من القبطي ، فاندفع يريد أن يقضي عليه كما قضى
على الأول بالأمس ، فقد طال الظلم ببني إسرائيل ، فضاقت به نفس موسى - عليه
السلام - حتى رأيناه يندفع في المرة الأولى ويندم ، ثم يندفع في المرة الثانية لما ندم
عليه حتي ليكاد يفعله ، ويهم أن يبطش بالذي هو عدو له ولقومه . ويبدو أن رائحة
فاحت عن قتيل الأمس ، وأن شبهات تطايرت حول موسى . فلما أراد موسى أي
يبطش بالقبطي الثاني واجهه هذا بالتهمة ، لأنها عندئذ تجسمت له حقيقة ، وهو يراه
يهم أن يبطش به ، وقال له تلك المقالة : { أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس
؟ } أما بقية عبارته : { إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون
من المصلحين } . فتلهم أن موسي كان قد اتخذ له في الحياة مسلكا يعرف به أنه
رجل صالح مصلح ، لا يحب البغي والتجبر . فهذا القبطي يذكره بهذا ويوري به ؛
ويتهمه بأنه يخالف عما عرف عنه . والظاهر أن موسى لم يقدم بعد إذ ذكره الرجل
بفعلة الأمس على قتله أو إيذائه

56
وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ }
تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ
{ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ


لقد انتهى السفر بموسى عليه السلام إلى ماء مدين . وإذا هو يطلع علي مشهد لا
تستريح إليه نفس ذات مروءة كنفس موسى - عليه السلام - وجد الرعاة الرجال
يوردون أنعامهم لتشرب من الماء ؛ ووجد هناك امرأتين تمنعان غنمهما عن ورود
الماء ، ولم يقعد موسى . ليستريح ، بل تقدم للمرأتين يسألهما عن أمرهما الغريب
قال : ما خطبكما قالتا : لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير}. فهما } :
امرأتان وهؤلاء الرعاة رجال . وأبوهما شيخ كبير لا يقدر على الرعي ومجالدة
{ الرجال ، فثارت نخوة موسى - عليه السلام - وفطرته السليمة . { فسقى لهما
مما يشهد بنبل هذه النفس التي صنعت علي عين الله . كما يشي بقوته التي
ترهب حتى وهو في إعياء السفر الطويل . { ثم تولى إلي الظل } مما يشير إلى أن
الأوان كان أوان قيظ وحر . { فقال : رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير } . إنه
يأوي إلى الظل المادي البليل بجسمه ، ويأوى إلي ظل الله الكريم المنان بروحه
وقلبه


57
فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ }
مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ
{ الظَّالِمِينَ


إنها دعوة الشيخ الكبير استجابة من السماء لدعوة موسى الفقير . دعوة
للإيواء والكرامة والجزاء على الإحسان . دعوة تحملها : { إحداهما } وقد
جاءته { تمشي على استحياء } مشية الفتاة الطاهرة الفاضلة العفيفة النظيفة
، حين تلقى الرجال . جاءته لتنهي إليه دعوة في أقصر لفظ وأخصره وأدله
يحكيه القرآن بقوله : { إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا} . فمع
الحياء الإبانة والدقة والوضوح ؛ لا التلجلج والتعثر والربكة . وذلك كذلك
من إيحاء الفطرة النظيفة السليمة المستقيمة . ثم إذا مشهد اللقاء بينه وبين
الشيخ الكبير . الذي لم ينص على اسمه حيث طمأنه وهدأ من روعه فقد كان
موسى في حاجة إلى الأمن ؛ كما كان في حاجة إلى الطعام والشراب . ولكن
حاجة نفسه إلى الأمن كانت أشد من حاجة جسمه إلى الزاد . { نجوت من
القوم الظالمين } فلا سلطان لهم على مدين ، ولا يصلون لمن فيها بأذى ولا ضرار

P R ! N C E
12-20-2006, 11:42 AM
مشكور الك اخى على المشاركة الرائعه

اتمنالك التوفيق

لاتحرمنا من جديدك

جعلة الله فى ميزان حسناتك

اسراء
12-20-2006, 01:34 PM
بارك الله فيك اخي على الشرح الرائع
مجهود رائع سلمت يمناك
دمت في حفظ الرحمن